مكتب فاطمة النعيمي للمحاماة

مسؤوليَّةُ المُحامي عن الأَخطاءِ المِهنيَّةِ النَّاشئةِ عن استخدامِ الذَّكاءِ الاصطناعي

الخدمات القانونية

مسؤوليَّةُ المُحامي عن الأَخطاءِ المِهنيَّةِ النَّاشئةِ عن استخدامِ الذَّكاءِ الاصطناعي

دراسةٌ قانونيَّةٌ تحليليَّةٌ في ضوءِ قواعدِ المسؤوليَّةِ المهنيَّة

مُلخَّصُ البحث

أدَّى التطوُّرُ المتسارعُ في تقنياتِ الذكاءِ الاصطناعي إلى توسُّعِ نطاقِ استخدامها في المِهنِ القانونيَّة، ولا سيَّما في مجالِ المحاماة، حيث أضحَت هذه التِّقنياتُ تُستَخدمُ في البحثِ القانوني، وصياغةِ المذكرات، وتحليلِ السوابقِ القضائيَّة. غيرَ أنَّ هذا الواقعَ الجديدَ أفرَزَ إشكاليَّاتٍ قانونيَّةً مُستحدَثةً، تتعلَّقُ بتحديدِ مدى مسؤوليَّةِ المُحامي عن الأَخطاءِ المهنيَّة التي قد تنشأُ نتيجةَ الاعتمادِ على أنظمةِ الذكاءِ الاصطناعي.

ويهدفُ هذا البحثُ إلى بيانِ الأساسِ القانوني لمسؤوليَّةِ المُحامي في هذا الإطار، وتحديدِ صورِ الخطأِ المهني، ومعيارِ تقديرِه، وحدودِ العلاقةِ السببيَّة، وذلك في ضوءِ القواعدِ العامَّة للمسؤوليَّةِ المدنيَّة، وأحكامِ الفقهِ والقضاء.

مقدِّمـة

لم يَعُدِ الذكاءُ الاصطناعي مُجرَّدَ مفهومٍ نظريٍّ أو أداةٍ تقنيَّةٍ مُسانِدة، بل أصبحَ واقعًا عمليًّا متجذِّرًا في البنيةِ اليوميَّة للعملِ القانوني. وقد انعكسَ هذا التطوُّرُ على مهنةِ المحاماة، التي وجدت نفسها أمام أدواتٍ قادرةٍ على معالجةِ كميَّاتٍ هائلةٍ من البيانات، واستنباطِ الحلولِ القانونيَّة في وقتٍ قياسيٍّ.

إلَّا أنَّ هذا التطوُّر، على أهميَّته، يطرحُ تساؤلاتٍ جوهريَّةً حول مسؤوليَّةِ المُحامي، لا سيَّما في حالِ وقوعِ خطأٍ مهنيٍّ ناتجٍ عن استخدامِ هذه التقنيات. فهل يُمكنُ للمُحامي أن يتذرَّعَ بالذكاءِ الاصطناعي لنفيِ الخطأ؟ أم أنَّ المسؤوليَّةَ تظلُّ قائمةً في حقِّه بوصفه صاحبَ القرارِ القانوني؟

وتلك هي الإشكاليَّةُ المركزيَّة التي يسعى هذا البحثُ إلى معالجتها.

المبحثُ الأوَّل: الطبيعةُ القانونيَّةُ لاستخدامِ الذكاءِ الاصطناعي في مهنةِ المحاماة

من حيثُ الأصل، لا يُعدُّ استخدامُ الذكاءِ الاصطناعي في ذاته عملًا غيرَ مشروع، بل يُصنَّفُ قانونًا باعتباره وسيلةً فنيَّةً مُساعدةً تدخلُ في إطارِ الأدواتِ التي يستعينُ بها المُحامي لأداءِ عملِه، شأنَها في ذلك شأنُ قواعدِ البياناتِ القانونيَّة أو برامجِ إدارةِ القضايا. وعليه، فإنَّ الذكاءَ الاصطناعي لا يرقى إلى مرتبةِ الفاعلِ القانوني، ولا يملكُ صفةَ المُمثِّل أو الوكيل، وإنَّما يظلُّ أداةً تقنيَّةً تخضعُ لإشرافِ المُحامي وسيطرتِه.

فلا يجوزُ للمُحامي أن يُفوِّضَ الأداةَ التقنيَّةَ في اتِّخاذِ قراراتٍ قانونيَّةٍ جوهريَّة، أو في صياغةِ مواقفَ دفاعيَّةٍ نهائيَّة، دون مراجعةٍ بشريَّةٍ واعية. كما لا يجوزُ استخدامُ الذكاءِ الاصطناعي على نحوٍ يُخلُّ بواجبِ السريَّة أو يُعرِّضُ بياناتِ الموكل للتداولِ أو التخزينِ غيرِ المأمون. ومن ثمَّ، فإنَّ الاستخدامَ المشروعَ هو الاستخدامُ المُقيَّدُ بضوابطِ التحقُّق، والمراجعة، والحفاظِ على سريَّةِ المعلومات.

ولا يترتَّبُ على استخدامِ الذكاءِ الاصطناعي أيُّ انتقالٍ للمسؤوليَّةِ المهنيَّة من المُحامي إلى الأداةِ التقنيَّة أو إلى الجهةِ المُطوِّرة لها؛ فالمُحامي يظلُّ مسؤولًا مسؤوليَّةً كاملةً عن دقَّةِ ما يُقدِّمه للمحكمة، وصحَّةِ السوابقِ التي يستندُ إليها، وسلامةِ البياناتِ التي يُعالجها. ويُعدُّ الاعتمادُ غيرُ المتحقَّقِ على مُخرَجاتِ الذكاءِ الاصطناعي صورةً من صورِ الإخلالِ بواجبِ العنايةِ المهنيَّة، متى أدَّى ذلك إلى تضليلِ القضاء أو الإضرارِ بمصلحةِ الموكل.

وبناءً عليه، فإنَّ استعانةَ المُحامي بالذكاءِ الاصطناعي لا تُغيِّرُ من طبيعةِ التزامِه تجاهَ موكِّله، الذي يظلُّ التزامًا ببذلِ عنايةٍ مهنيَّةٍ يقِظة، وفقًا لما استقرَّ عليه الفقهُ والقضاء.

المبحثُ الثاني: الأساسُ القانوني لمسؤوليَّةِ المُحامي عن أخطاءِ الذكاءِ الاصطناعي

تقومُ مسؤوليَّةُ المُحامي، في هذا المجال، على القواعدِ العامَّةِ للمسؤوليَّةِ المدنيَّة، سواءٌ كانت مسؤوليَّةً عقديَّةً ناشئةً عن الإخلالِ بالتزاماتِ عقدِ الوكالة، أم مسؤوليَّةً تقصيريَّةً إذا لحقَ الضررُ بالغير.

ويستندُ هذا الأساسُ إلى القاعدةِ المستقرَّة فقهاً وقضاءً، ومفادُها أنَّ: «إنَّ التزامَ المُحامي قِبَلَ موكِّله هو التزامٌ ببذلِ عناية، ويتعيَّنُ عليه أن يبذلَ في تنفيذِ هذا الالتزام قدرًا معقولًا من الجهدِ والعنايةِ المطلوبةِ مهنيًّا، سواءٌ تحقَّقَ الغرضُ المنشودُ أم لم يتحقَّق. والأصلُ في تقديرِ هذه العناية ـ إذا كانتِ الوكالةُ بأجرٍ ـ أن تُقاسَ بعنايةِ الرجلِ المعتادِ من أهلِ المهنة، بحيثُ يلتزمُ المُحامي ببذلِ أقصى ما يستطيعُه من جهدٍ في الدفاعِ عن حقوقِ موكِّله، وذلك في حدودِ ما تقتضيه مصلحةُ الدعوى، ووفقًا لما تستوجبه مجابهةُ الخصومِ بالحُججِ والأدلَّةِ القانونيَّة.»

ومن ثمَّ، فإنَّ الخطأَ الصادرَ عن الذكاءِ الاصطناعي يُنسَبُ إلى المُحامي، متى ثبتَ أنَّه اعتمدَ عليه اعتمادًا غيرَ مشروعٍ أو دونَ تدقيقٍ كافٍ.

فالمُحامي، منذُ القدم، قد يستعينُ بغيرِه في إعدادِ مذكراتِه ومرافعاتِه، سواءٌ كان المستعانُ به شخصًا طبيعيًّا (المحامون المبتدئون، الباحثون القانونيُّون المتعاقدُ معهم، طلبةُ القانون المتدرِّبون)، أو كان المستعانُ به شيئًا معنويًّا لا وجودَ لشخصيَّته القانونيَّة (الموسوعاتُ القانونيَّة، وقواعدُ البياناتِ القضائيَّةِ والقانونيَّة)، وليس على المُحامي خطيئةٌ في تلك الاستعانة.

غيرَ أنَّ القواعدَ العامَّةَ والعُرفَ المهنيَّ يفرضانِ على المُحامين دورًا رقابيًّا على تلك العواملِ المُساعدة، ضمانًا لدقَّةِ ما يُقدَّمُ إلى المحكمة.

المبحثُ الثالث: صورُ الخطأِ المهنيِّ النَّاشئ عن استخدامِ الذكاءِ الاصطناعي

تتعدَّدُ صورُ الخطأِ المهنيِّ في هذا السياق، ومن أبرزِها:

أوَّلًا: الاعتمادُ غيرُ المُبرَّر على المُخرَجاتِ الآليَّة

ويتحقَّقُ ذلك عندما يتعاملُ المُحامي مع نتائجِ الذكاءِ الاصطناعي بوصفِها حقائقَ قانونيَّةً مُسلَّمًا بها، دون مراجعةٍ أو تمحيص.

ومن أشهرِ الأمثلةِ على ذلك قضيَّة Mata v. Avianca Inc أمام المحكمةِ الجزئيَّة للولايات المتحدة للمنطقةِ الجنوبيَّة من نيويورك سنة 2023، أمام القاضي كاستل، حيثُ اعتمدَ محامو المدَّعي على برنامج ChatGPT لإجراءِ البحثِ القانوني؛ فقامَ بإنتاجِ خمسِ قضايا غيرِ موجودة، تضمَّنت اقتباساتٍ وإحالاتٍ مُزيَّفة، جرى الاستشهادُ بها أمام المحكمة دون التحقُّق منها.

فقرَّرت المحكمةُ إدانةَ محامي المدَّعي لاعتمادهم على مُخرَجاتِ الذكاءِ الاصطناعي دون مراجعةِ محتواها وتدقيقِه والتأكُّد من سلامته، وجاء في حكمها ما نصُّه:

إنَّ تقديمَ آراءٍ قضائيَّةٍ وهميَّة يترتَّبُ عليه أضرارٌ جسيمة؛ فالطرفُ المقابلُ يُهدِرُ وقتًا ومالًا في كشفِ الخداع، ويُستنزَفُ وقتُ المحكمة على حسابِ مهامَّ أكثرَ أهميَّة، وقد يُحرَمُ الموكلُ من حُججٍ قائمةٍ على سوابقَ قضائيَّةٍ صحيحة. كما ينشأُ ضررٌ محتملٌ بسمعةِ القضاةِ والمحاكمِ التي تُنسَبُ إليها آراءٌ زائفة، وبسمعةِ طرفٍ نُسِبَت إليه تصرُّفاتٌ خياليَّة، ويؤدِّي ذلك إلى تعزيزِ النزعةِ التشكيكيَّة تجاهَ مهنةِ المحاماةِ والنظامِ القضائيِّ الأمريكي، وقد يُغري ذلك متقاضيًا مستقبليًّا بتحدِّي حكمٍ قضائيٍّ بادِّعاءِ الشكِّ في صحَّته.

وفي واقعةٍ محليَّةٍ بمركزِ تسويةِ المنازعاتِ بمحكمةِ قطر الدوليَّة، في الدعوى رقم: CTFIC0033/2025، إذ عُرِضَ على المحكمةِ مستندٌ دفاعيٌّ أعدَّه أحدُ المُحامين، تضمَّن إحالاتٍ إلى أحكامٍ وسوابقَ قضائيَّةٍ ابتغى بها تدعيمَ أوجهِ دفاعِه، كشفت مراجعةُ المحكمة لتلك الإحالات عن خلوِّ السجلاتِ القضائيَّةِ وقواعدِ البياناتِ المُعتبَرة من أيِّ وجودٍ لها. ومع توالي الاستيضاحات، أقرَّ المُحامي بأنَّ تلك المراجع لم تُستقَ من مصادرَ قضائيَّةٍ رسميَّة، وإنَّما جرى توليدُها عبر وسائلِ بحثٍ رقميَّةٍ قائمةٍ على تقنياتِ الذكاءِ الاصطناعي، دون إخضاعها لواجبِ التحقُّق أو الفحص.

وانتهت المحكمةُ إلى أنَّ هذا المسلك، بصرفِ النظرِ عن قيامِ القصدِ من عدمه، ينطوي على خدشٍ لواجبِ الصدقِ المفترض في التعاملِ مع القضاء، إذ إنَّ مقتضياتِ العنايةِ المهنيَّة تُلزِمُ المُحامي بالتثبُّت من صحَّةِ كلِّ حكمٍ أو مرجعٍ قبل اتِّخاذِه سندًا لحجَّته. كما قرَّرت المحكمةُ أنَّ اللجوءَ إلى أدواتِ الذكاءِ الاصطناعي لا يُنشئُ سببًا للإعفاءِ من المسؤوليَّة، بل تبقى ذمَّةُ المُحامي مشغولةً بضمانِ سلامةِ ودقَّةِ ما يُطرَحُ على بساطِ القضاء من وقائعَ أو أسانيدَ قانونيَّة، بوصفِه المسؤولَ المهنيَّ الأصيلَ عن مضمونِ ما يُقدِّمه.

ثانيًا: الإهمالُ في التحقُّق من حداثةِ النُّصوصِ والأحكام

إذ قد تستندُ بعضُ الأنظمةِ إلى بياناتٍ غيرِ مُحدَّثة، ممَّا يؤدِّي إلى الاستنادِ إلى نُصوصٍ منسوخةٍ أو اجتهاداتٍ قضائيَّةٍ مهجورة.

ففي إنجلترا وويلز، أشارتِ السيدةُ القاضيةُ دام فيكتوريا شارب، رئيسةُ دائرةِ الملك (Kings Bench Division)،

في قضيَّة

R (on the application of Ayinde) v. London Borough of Haringey [2025] EWHC 1383 (Admin)،

إلى ضرورةِ أن تعتمدَ المحكمةُ على نزاهةِ ومهنيَّةِ المرافِعين، وبيَّنت في الفقرات من (7) إلى (9) ما يلي:

إنَّ الذين يستخدمون الذكاءَ الاصطناعي لإجراءِ البحثِ القانوني، رغم هذه المخاطر، يقعُ على عاتقهم واجبٌ مهنيٌّ يتمثَّل في التحقُّق من دقَّةِ هذا البحثِ بالرجوعِ إلى مصادرَ موثوقة، قبل استخدامِه في إطارِ عملِهم المهني، سواءٌ لتقديمِ المشورةِ للعملاء أو أمام المحكمة.

وأنَّ هناك آثارًا خطيرةً على إدارةِ العدالةِ وثقةِ الجمهورِ في النظامِ القضائي إذا أسيءَ استخدامُ الذكاءِ الاصطناعي. وفي هذه الظروف، يتعيَّنُ اتِّخاذُ تدابيرَ عمليَّةٍ وفعَّالةٍ من قِبَلِ أولئك الذين تقعُ عليهم مسؤوليَّاتٌ قياديَّةٌ فرديَّةٌ داخلَ المهنةِ القانونيَّة، مثل رؤساءِ المكاتبِ والشركاءِ الإداريِّين، وكذلك من قِبَلِ الجهاتِ المسؤولةِ عن تنظيمِ تقديمِ الخدماتِ القانونيَّة.

ويجبُ أن تكفلَ هذه التدابيرُ أنَّ كلَّ فردٍ يُقدِّمُ حاليًّا خدماتٍ قانونيَّةً، بغضِّ النظرِ عن زمانِ أو مكانِ تأهيلِه، يفهمُ ويلتزمُ بالتزاماتِه المهنيَّةِ والأخلاقيَّة وبواجباتِه تجاهَ المحكمة عند استخدامِ الذكاءِ الاصطناعي“.

ثالثًا: الإخلالُ بسريَّةِ المعلومات

تُعدُّ سريَّةُ العلاقةِ بين المُحامي وموكِّله من الدعائمِ الجوهريَّة لمهنةِ المحاماة، إذ تقومُ هذه العلاقةُ على الثقةِ الكاملة والاطمئنانِ إلى أنَّ ما يُفصحُ عنه الموكلُ من وقائعَ ومستندات سيظلُّ مصونًا من الإفشاءِ أو التداولِ غيرِ المشروع.

ولم يَعُدِ السرُّ المهنيُّ مقتصرًا على الأقوالِ أو المستنداتِ الورقيَّة، بل امتدَّ ليشملَ البياناتِ الرقميَّة، والمراسلاتِ الإلكترونيَّة، وملفَّاتِ القضايا المخزَّنة رقميًّا، وأيَّ معلوماتٍ يمكنُ من خلالها التعرُّفُ على الموكلِ أو مركزِه القانوني. ويُعدُّ إدخالُ هذه البيانات في منصَّاتٍ رقميَّةٍ غيرِ مؤمَّنة، أو في أدواتِ ذكاءٍ اصطناعي لا تضمنُ عدمَ تخزينِ المحتوى أو إعادةِ استخدامِه، صورةً حديثةً من صورِ الإخلالِ بواجبِ السريَّة، ولو لم يقصدِ المُحامي الإفشاءَ صراحة.

وقد اتَّجه الفقهُ الحديثُ إلى التشديدِ على أنَّ استخدامَ التقنياتِ الحديثة لا يُعفي المُحامي من واجباتِه التقليديَّة، بل يُضيفُ إليه التزامًا مُضاعفًا بالتحقُّق والحذر. كما بدأت بعضُ المحاكم، في أنظمةٍ قانونيَّةٍ مُقارَنة، باعتبارِ إدخالِ بياناتِ الموكل في منصَّاتٍ غيرِ مأمونة إخلالًا بواجبِ الأمانةِ المهنيَّة، لما ينطوي عليه من تعريضِ الثقةِ التي تقومُ عليها العدالةُ للاهتزاز.

المبحثُ الرابع: معيارُ تقديرِ الخطأِ والعلاقةُ السببيَّة

استقرَّ الفقهُ والقضاءُ على أنَّ خطأَ المُحامي لا يُقاسُ بمعيارِ الشخصِ العاديِّ المُجرَّد، وإنَّما يُقدَّرُ بمعيارِ المُحامي المعتادِ من ذاتِ الدرجةِ والخبرة، الذي يُمارسُ مهنتَه في ظروفٍ مُماثلة. ويُقصَدُ بذلك أن يُسألَ المُحامي عمَّا إذا كان قد انحرفَ، في سلوكِه المهني، عن السلوكِ المألوفِ والمتوقَّعِ من مُحامٍ يقِظٍ ومُتبصِّر، يلتزمُ بأصولِ المهنة وقواعدِها.

ولا يُعدُّ خطأً مهنيًّا مُجرَّدُ خسارةِ الدعوى أو رفضِ الطلبات، ما دامَ المُحامي قد بذلَ الجهدَ المعقول، واتَّخذَ الإجراءاتِ القانونيَّة في مواعيدِها، واستندَ إلى أسانيدَ قانونيَّةٍ جادَّة. وإنَّما يتحقَّقُ الخطأُ متى ثبتَ تقصيرٌ واضح، كإهمالِ رفعِ الدعوى في الميعاد، أو عدمِ تقديمِ دفاعٍ جوهري، أو الجهلِ الفادحِ بقواعدَ قانونيَّةٍ مُستقرَّة، أو تقديمِ معلوماتٍ غيرِ صحيحةٍ للمحكمة.

وبما أنَّ التزامَ المُحامي هو التزامٌ ببذلِ عناية، فإنَّ نطاقَ مسؤوليَّتِه يظلُّ محصورًا في مدى احترامِه لمقتضياتِ هذه العناية. ويترتَّبُ على ذلك أنَّ عبءَ إثباتِ الخطأ يقعُ على عاتقِ الموكل، الذي يتعيَّنُ عليه أن يُبيِّنَ أوجهَ التقصيرِ المهنيِّ التي خرجَ فيها المُحامي عن حدودِ السلوكِ المألوف، وأن يُثبتَ أنَّ هذا التقصيرَ هو الذي أخلَّ بواجبِ العنايةِ المفروضِ عليه.

وفي مجالِ بحثِنا، فلا تقومُ المسؤوليَّةُ إلَّا بتوافُرِ الضرر، وقيامِ علاقةٍ سببيَّةٍ مباشرةٍ بين الخطأِ والضرر، بحيث يكونُ اعتمادُ المُحامي على الذكاءِ الاصطناعي هو السببَ الفعليَّ في وقوعِ الضرر.

خاتمـة

يخلصُ هذا البحثُ إلى أنَّ الذكاءَ الاصطناعي، رغمَ ما يوفِّره من إمكاناتٍ متقدِّمة، لا يُعفي المُحامي من مسؤوليَّتِه المهنيَّة، ولا يُخفِّفُ من واجبِ العنايةِ المفروضِ عليه. فالمُحامي يظلُّ هو العقلَ القانونيَّ المُسيطر، وصاحبَ القرار، والمسؤولَ الأوَّلَ أمامَ موكِّله والقضاء.

ومن ثمَّ، فإنَّ الاستخدامَ الرشيدَ للذكاءِ الاصطناعي يقتضي دمجَه ضمنَ الإطارِ المهنيِّ والأخلاقيِّ للمحاماة، بوصفِه أداةً مُساعدةً لا بديلًا عن الاجتهادِ القانونيِّ البشري.

المراجــع

  1. عبد الرزاق أحمد السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، الجزءُ الأوَّل، دارُ إحياءِ التراثِ العربي، بيروت، 1998.

  2. محمد عبد الظاهر حسين، المسؤوليَّة المدنيَّة للمُحامي تجاه العميل، المكتبةُ القانونيَّة، القاهرة، 1991.

  3. أحمد أبو الوفا سلامة، نظريَّة الالتزام في القانون المدني، دارُ المطبوعاتِ الجامعيَّة، الإسكندريَّة، 2005.

  4. رفعت خفاجي، تفسيرُ الخطأِ المهنيِّ الجسيم، مجلةُ المحاماة، مصر، السنة 39، العدد 1.

  5. سامي عازر جبران، نظراتٌ في مهنةِ المحاماة، مجلةُ المحاماة، مصر، السنة 51.

  6. أحمد سليمان حسن، مسؤوليَّةُ المُحامي عن أخطائِه المهنيَّة، رسالةُ دكتوراه، جامعةُ عين شمس، 2008.

  7. الموقع الإلكتروني لمحكمة قطر الدولية https://www.qicdrc.gov.qa/ar/judgments

كتبه:

إيهاب السيد نايل

مستشار قانوني أول

ماجستير القضاء والسياسة الشرعية

الإثنين: 24 جمادى الآخرة 1447 هجرية